الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

70

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والاختلاف بين هذين اللفظين هو أن أحدهما يتعلق بالجوانب العملية ، والآخر بالجوانب العقائدية . ويستفاد من هذه الآيات أن العذاب الإلهي إنما ينزل بمقتضى الحكمة ، فمن يكن فاسدا ومضللا ولأولاده ونسله لا يستحق الحياة بمقتضى الحكمة الإلهية ، فينزل عليهم البلاء كالطوفان أو الصاعقة والزلازل ليمحو ذكرهم كما غسل طوفان نوح ( عليه السلام ) تلك الأرض التي تلوثت بأفعال ومعتقدات تلك الأمة الشريرة ، وبما أن هذا القانون الإلهي لا يختص بزمان ومكان معينين ، فإن العذاب الإلهي لابد أن ينزل إذا ما كان في هذا العصر مفسدون ولهم أولاد فجرة كفار ، لأنها سنة إلهية وليس فيها من تبعيض . ويمكن أن يكون المراد ب‍ يضلوا عبادك الجماعة القليلة المؤمنة التي كانت مع نوح ( عليه السلام ) ، ولعل المراد منها عموم الناس المستضعفين الذين يتأثرون بالطواغيت . ثم يدعو نوح ( عليه السلام ) ، لنفسه ولمن آمن به فيقول : رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا . ( 1 ) طلب المغفرة هذا من نوح ( عليه السلام ) كأنه يريد أن يقول إنني وإن دعوة قومي مئات السنين ولقيت ما لقيت من العذاب والإهانة ، ولكن يمكن أن يكون قد صدر مني الترك الأولى ، فلذا أطلب العفو والمغفرة لا أبرئ نفسي أمام الله تعالى . هذا هو حال أولياء الله ، فإنهم يجدون أنفسهم مقصرين مع كل ما يلاقونه من محن ومصاعب ، ولهذا تجدهم غير مبتلين بآفات الغرور والتكبر ، وليس كالذين يتداخلهم الغرور عند إتمامهم لعمل صغير ما يمنون به على الله تعالى ، ويطلب نوح ( عليه السلام ) المغفرة لعدة أشخاص وهم :

--> 1 - " تبار " : تعني الهلاك ، وقيل الضرر والخسارة .